عمر بن ابراهيم رضوان
581
آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره
وأداء المعنى الكثير في اللفظ القليل دون تقليل يخل أو تطويل يمل . والقرآن الكريم كما هو معجز في حقائقه العلمية والتاريخية هو معجز في أسلوبه وبيانه الذي يظهر في حسن ترتيب السورة وإحكام نسقها . وهذا أمر فطن له علماء أفذاذ منذ القدم ، لذلك كانت لهم عناية في كشف اللثام عن متانة الترابط ، وإحكام الصلة بين أجزاء كل سورة من سور القرآن العظيم . من هؤلاء : العالم الجليل « البقاعي » في كتابه النفيس ( نظم الدرر في تناسب الآي والسور ) والأستاذ الدكتور محمد عبد اللّه دراز في كتابه ( النبأ العظيم ) الذي حلل فيه سورة البقرة مع طولها وأظهر الاتساق بين أجزائها ، وما فيها من وحدة موضوعية . وشيخي الدكتور فضل حسن عباس في كتابه ( إعجاز القرآن ) حيث درس فيه عدة سور من القرآن الكريم منها المدني ومنها المكي بنفس الطريقة « 1 » حيث أظهر ما يربط السور القرآنية من نظام بديع ومعان مترابطة وافية ، ووحدة تامة بين أجزاء السورة الواحدة مع تعدد موضوعاتها كما أن كثيرا من كتب البلاغة والتفسير قد اهتمت بهذا الجانب . أما المستشرقون فإن فاتهم هذا الإدراك ، وهذا الحس فلبعدهم عن العربية ، ولجهلهم بها وبأساليبها ، وحكمهم عليها كان حكما فطيرا خاليا من التأمل والتروي وقد حاولوا تعليل هذه القضية بعلل غير مقبولة منها : أنه يعود لسذاجة الأسلوب وركاكته ، أو لركاكة المعنى ، أو لخطأ من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - بأنهم لم يحسنوا ترتيب الموضوعات في السورة الواحدة بل جمعوها بطريقة عشوائية . كل هذه الأقوال تتبدد عندما يعلم هؤلاء أن سورة كالبقرة نزلت نجوما في عشر سنين ، ومع هذا فهي لوحة فنية تأخذ بالألباب بجمالها ، وروعة أسلوبها ، وترابط أفكارها ، وتمام معانيها ، ووحدة موضوعاتها مع تعدادها وكان الأولى أن يظهر الضعف والإطناب الممل ورداءة الذوق على حد تعبير « دوزي »
--> ( 1 ) ذكر ذلك في كتاب قضايا قرآنية ص 80 .